ابن قيم الجوزية
42
البدائع في علوم القرآن
عرف القرآن وهنا يضع ابن القيم رحمه اللّه تعالى قاعدة أصيلة وعظيمة عند التعامل مع القرآن الكريم ، يقول : « . . . وينبغي أن يتفطن هنا لأمر لا بدّ منه ، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام اللّه عزّ وجلّ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ، فيكون الكلام بدله معنى ما . فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن ، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق ، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره ، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر ، وكلام آخر ، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ : وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ النساء : 1 ] بالجر أنه قسم ، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 217 ] أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في « به » ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير ، بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه ، والمعهود من معانيه ، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم ، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها ، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به ، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي ، فتدبر هذه القاعدة ، ولتكن منك على بال ، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها ، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه . . . » ( 3 / 27 - 28 ) بدائع الفوائد . ويقول أيضا في معرض بيان معنى الآية رقم ( 27 - 28 ) من الأنعام : « وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا ، فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلا ، ومعناها أجل وأعظم مما فسروا به ، ولم يتفطنوا لوجه الإضراب ب « بل » ، ولا للأمر الذي بدا لهم وكانوا يخفونه ، وظنوا أن الذي بدا لهم العذاب . فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله : ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ قدروا مضافا محذوفا وهو خبر ( ما